الثلاثاء، 19 أيلول/سبتمبر 2017

ابو الحاج : تجاهل قضية الاسرى القدامى هو خطأ سياسي فادح تتحمله كافة الفصائل ...وقائع الاضراب الاسطوري عن الطعام في سجن نفحة الصحراوري عام 1980 الحلقة الاخيرة

 

قال فهد ابو الحاج مدير عام مركز ابو جهاد لشؤون الحركة الاسيرة في جامعة القدس ، ان تجاهل مئات الاسرى وابقائهم خلف القضبان لمجرد اتهامهم بان ايديهم ملطخة بالدماء هو خطأ سياسي وقع به المفواض الفلسطيني منذ 19 عاماً ، لانه لم تدرك حجم هذه المسألة منذ البداية، فكيف يوقع اتفاق سلام دون ان يشمل الجنود الحقيقيون، فأي معركة يسقط بها ضحايا من الجانبين ولا يمكن لطرف ان يقيم سلاما اذا تخلى عن جنوده الذين تم بعثهم على ايدي قادتهم، وبعد مضي كل هذا الوقت وكل الانتقادات السابقة كررت حركة حماس نفس الاخطاء السابقة بان تركت الاسرى القدامى قيد الاعتقال ولم تتمكن من الافراج عنهم في صفقة التبادل .
واكد ابو الحاج ان قضية الاسرى القدامى تعتبر من اهم القضايا التي يتوجب على السلطة الفلسطينية والفصائل كافة العمل على متابعتها وحلها ، ولعل قضية الاسرى القدامى الذين اعتقلوا قبل اتفاقية اوسلو هم نموذج لسياسة تجاهل ملف الاسرى والقفز عنهم في المفاوضات والاتفاقيات السياسية وصفقات التبادل .
ونوه ابو الحاج الى ان الاسرى القدامى يشكلون اليوم ازمة حقيقية للمفاوض الفلسطيني، فهناك ما يقارب 126 اسير امضوا جميعهم فوق ال 18 عاما، وهذه المرة الاولى في تاريخ الثورات التي يمضي بها اسرى بشكل جماعي هذه الفترة، علاوة على ان الاسرى القدامى معظمهم ينتمون الى حركة فتح وفصائل منظمة التحرير التي تؤيد عملية السلام، وتقوم بالمفاوضات مع الطرف الاسرائيلي فلماذا يتم تجاهل هؤلاء الناس والى متى سيبقى الاسرى القدامى وعائلاتهم واسرهم ينتظرون؟ .
 
وفي هذا السياق سيتم الحديث عن وقائع الاضراب الاسطوري عن الطعام في سجن نفحة الصحراوي عام 1980والذي استشهد خلاله الشهيدان علي الجعفري وراسم حلاوة كما يرويها الاسير المحرر عبد الرحيم النوباني :
ت
 
تحضيرات للاضراب
 
أدرك الاسرى منذ اللحظة الأولى لتجميعهم في سجن نفحة بان إدارة السجون تقصد بهذا التصرف تحطيم النواة الصلبة للجبهة الاعتقالية ، وان تحقق لإدارة السجون هذا الأمر فمما لاشك فيه بان كارثة كبرى ستحل بالحركة الأسيرة وتعيدها الى سيرتها الأولى من القمع والعذاب ، لذا أدرك الجميع بان الانتصار في المواجهة القادمة هو خيار فردي وجماعي وإجباري ووحيد ، لان دونه الموت والهلاك البطيء والمذل ، وقد استأنفت قيادة الاسرى إطلاق الرسائل الى المؤسسات والمحافل الدولية والعربية والمحلية معلنة هذه المرة عن موعد الإضراب الشامل عن الطعام وكان يوم 14/7/1980م ، وقبل يومين من بدء الإضراب قامت إدارة السجن بنقل الأخ أبو علي شاهين ومعه جبر عمار و محمد القاق وعبد الله العجرمي ليصبح العدد الإجمالي للأسرى المتواجدين في سجن نفحة والذين سيخوضون الإضراب 71 أسيرا ، لكن هذه المجموعة القيادية دخلت مع أسرى سجن نفحة الإضراب عن الطعام في اليوم المحدد له 14/تموز /1980م ، من مكانها الجديد في سجن شطه .
 
وفي مساء يوم 13/7/1980م ، حدد الاسرى مطالبهم من خلال رسالة موجهة لإدارة السجن ، سلمت في نوبة العدد المسائي لذاك اليوم ، وكانت على النحو التالي :-
1- يطالب الاسرى بتركيب أسرة للنوم .
2- يطالب الاسرى السماح لهم بإدخال راديو وتلفزيون .
3- يطالب الاسرى بتحسين نوعية وكمية الأكل.
4- يطالب الاسرى السماح لهم بإدخال الكتب والصحف العربية والعبرية 
5- يطالب الاسرى بتوسيع نوافذ الغرف بما يسمح لدخول الشمس والهواء الى داخلها 
6- يطالب الاسرى بالتوقف عن سياسة العقاب الجماعي والفردي وعزل الاسرى في الزنازين ، وحرمانهم من الأكل إثناء عزلهم ، والاكتفاء بتقديم الخبز والماء لهم فقط لا غير . 
7- يطالب الاسرى بان تكون زيارة الأهل مرة كل أسبوعين ولمدة ساعة كاملة .
8- يطال الاسرى السماح لهم بإدخال الملابس الشتوية والصيفية والأغطية.
9- يطالب الاسرى السماح لهم بشراء أطعمة وأغذية من كانتين السجن غير المسموح بها حتى تاريخه .
10- يطالب الاسرى بإطالة وقت ساعة النزهة لتصبح ساعة بدلا من ربع ساعة.
 
وصايا
وتم إبلاغ ضابط العدد بان الاسرى في السجن قد أعلنوا الإضراب عن الطعام اعتبارا من صباح غدا 14/7/1980م ، وقد قام بعض الاسرى وأنا منهم بحلق رؤوسهم على الشفرة وذلك لعدة أسباب منها أن الشعر خلال الإضراب يأخذ بالتساقط ، وتحسبا لأية محاولة قمعية من جانب إدارة السجن التي تستخدم أسلوب شد الشعر أثناء التعذيب في زنازين العزل والتحقيق ، وقسم أخر من الاسرى انصرفوا لكتابة وصاياهم لأنهم كانوا على يقين بأنهم سيستشهدون في هذا الإضراب وكان من بين اؤلئك الاسرى الذين كتبوا مذكراتهم كل من الشهيد " راسم حلاوة " و " علي الجعفري " اللذان استشهدا في اليوم العاشر للإضراب ، وتعاهد كافة الاسرى على الصبر والصمود وعدم الرضوخ لمحاولات الإدارة كسر أرادتهم وإضرابهم .
 
قبل بدء هذا الإضراب تمكن الاسرى من الحصول على جهاز راديو صغير قام بتهريبه لهم احد السجناء اليهود المدنيين مقابل المال وقد تم إخفاء الراديو في مكان سري وكلف احد الاسرى بالاستماع للراديو وتدوين ما يسمع لتتم كتابته وتعميمه على الاسرى بما في ذلك أخبار الإضراب الذي يخوضونه ، في اليوم الثاني لبدء الإضراب قام رؤساء البلديات الوطنيون بسام الشكعه وإبراهيم الطويل و فهد القواسمي ومحمد ملحم وكريم خلف ووحيد الحمدالله بمحاولة لزيارة الاسرى في السجن ، ألا أن إدارة السجن أوقفتهم جميعا على بعد مئات الأمتار من السجن ولم تسمح لهم بزيارتنا ، وبعد يوم واحد على هذه الواقعة سمعنا عن محاولة الاغتيال الجماعية المعروفة لرؤساء البلديات المذكورين ، والتي فقد فيها الأخ المناضل بسام الشكعه ساقيه بعد انفجار أحدى العبوات الناسفة التي زرعتها المخابرات الإسرائيلية في سيارته ، وعمت المظاهرات الجماهيرية الحاشدة كافة المدن الفلسطينية ، وقدم المندوب السعودي في الأمم المتحدة السيد ( احمد خليل عبد الجبار ) طلبا لامين عام هيئة الأمم المتحدة ( كورت فالدهايم ) لدراسة الأوضاع في سجن نفحة وإرسال لجنة أمميه لتقصي الحقائق داخل السجن .
 
ومن المفيد هنا الإشارة الى أن مدير السجن كان احد الضباط السابقين في سجن بئر السبع واسمه ( عميرام ) وهو يهودي يمني وفي سجن بئر السبع تعرض للضرب المبرح من الاسرى، إبان الفترة التي عرفت في سجن بئر السبع ( بتأديب شرطة وضباط إدارة السجن في العام 1976م ) ردا على تجاوزات واعتداءات إدارة السجن الوحشية بحق الاسرى حينذاك ، لهذا السبب كان هذا المدير عدوانيا وشرسا في تعامله مع أسرى سجن نفحة .
 
ومن الجدير ذكره هنا أيضا بان وكالات الأنباء والإذاعات العربية والغربية قد بثت تصريحا للمتحدث الرسمي باسم الجبهة الشعبية بسام أبو شريف قبل بدء الإضراب بثلاثة أيام مفادة " بان إدارة سجن نفحة قتلت 26 أسيرا من الاسرى المضربين عن الطعام "، وكان هذا الخبر منافيا للحقيقة تماما، وقد أثار لدى الاسرى مزيدا من القلق والخوف من استغلال إسرائيل لهذا التصريح وتنفذ اعتداء حقيقيا ضد الاسرى طالما أن الخبر قد انتشر.
 
 
محاولة لكسر الاضراب
في ظهيرة يوم 21/7/1980م وهو اليوم التاسع للإضراب قامت إدارة السجن بإطلاق نداء جديد للأسرى عبر السماعات المثبتة داخل الغرف ، مفاده بان عليهم الاستعداد ، وبعد ساعة تقريبا حضر الى غرف السجن احد ضباط إدارة السجن ومعه ضابط الاستخبارات وقام بتسمية ست وعشرون أسيرا وطلب منهم الاستعداد مع أمتعتهم ، وهو نفس عدد الاسرى الذين أعلن بسام أبو شريف عن استشهادهم قبل بدء الإضراب ، وقد اخرج الاسرى الى باحة السجن وكان بانتظارهم سيارة نقل الاسرى ووحدات القمع الخاصة بالسجون وجنود من الجيش الإسرائيلي ، وطلب من الاسرى نزع ملابسهم تماما استعداد للتفتيش داخل غرفة فارغة ، وفي هذه الغرفة التقيت للمرة الأخيرة بالأخ راسم حلاوة ، وأثناء انتظارنا لشرطة السجن التي ستجري عملية التفتيش قال لي الأخ راسم " يا أخ أبو النوب اقترب مني لنتحدث قليلا ، الله يعلم هل سأراك بعد هذه المرة أم لا !! " وبعد أن اكتمل عددنا في هذه الغرفة على 26 أسيرا، تم إخراجنا اثنين اثنين الى ساحة السجن وتم تكبيلنا كل اثنين مع بعضهم البعض، لنبدأ مشوار جديد من اللكمات والركلات والشتائم الموجهة لنا من قبل الجنود والشرطة الذين رافقوا سيارة النقل، وتحت وطأة الضرب والسب طلب منا الصعود الى حافلة النقل الخاصة بالسجون " البوسطة "، ولم يكن لدينا أية فكرة عن وجهة السيارة، وخلال هذه الرحلة واصل الجنود والشرطة المرافقين لنا سبهم وشتمهم لنا وقال لنا احدهم " بان إسرائيل استطاعت شراء أسلحة بثمن الأكل الذي امتنعنا عن تناوله " ، فرد عليه من بيننا الأسير على الجعفري ردا قويا ومناسبا .
 
 
الموت بانتظارنا في سجن الرملة .
بعد مرور أكثر من ثلاث ساعات على إنطلاق هذه السيارة من سجن نفحة توقفت بالتدريج أمام أبواب تفتح وتغلق وأصوات كثيرة تتعالى من حولنا، فوقف احد الاسرى وألقى نظرة من شباك السيارة المتواجد في أعلى جدارها فعرف إننا في سجن الرملة، وعندما بدئنا بالنزول من السيارة كان بانتظارنا في باحة السجن سربين متقابلين من الجنود والشرطة الذين بدأوا بضربنا بشكل شديد ومخيف، وكان من بينهم مدير السجون العامة حينذاك ( حاييم ليفي ) ،ولاحقا عرفنا بان مدير هذا السجن اسمه " روني نيتسان " وكان احد المجرمين البارزين الذين عرفتهم الحركة الأسيرة ، وفي وقت لاحق لقي مصرعه على يد احد السجناء اليهود ، بسبب ظلمه وبطشه ، بعد الإنتهاء من إتمام الإجراءات الصحية الشكلية مثل التوزين وقياس الضغط في عيادة السجن التي ستصبح لاحقا مسرحا مفتوحا للتنكيل والقتل ، تم توزيعنا على 26 غرفة في احد أقسام سجن الرملة ، أي بمعدل سجين واحد في كل غرفة ، وهي غرفة خالية من أي فراش تماما باستثناء قطعة رقيقية من الإسفنج تسمى " جومه " بحجم فرشة البرش ، وطلب منا الجلوس على تلك القطعة وعدم الوقوف وعدم الاقتراب من الباب نهائيا .
 
بعد مرور اقل من ساعة واحدة على دخولي لهذه الغرفة سمعت صوت صراخا عاليا مدويا قادما من بعيد ، ولم اعرف من هو صاحب ذاك الصوت لكن أدركت بأنه يخص احد أفراد مجموعتنا القادمة من نفحة ، وتكرر هذا الصوت مرارا ، ومع تعاليه تزداد حيرتي وقلقي على صاحبه وخوفي من القادم المجهول ، لكن هذه المرة سمعت صوت مجموعة من الجنود كأنهم يسحبون جثة او جسدا محطما على الأرض ، وقد تعالت في هذه الأثناء أنات وأهات العديد من الاسرى الموزعين على الغرفة المجاورة والملاصقة لغرفتي ، فتأكدت من أن تعذيبا شديدا يمارس في هذا القسم بحق الاسرى المضربين عن الطعام الذين تم إحضارهم من نفحه ، أخيرا فتح الشرطي باب غرفتي وطلب مني الخروج فخرجت واذ بي أقف في عيادة السجن وأمام مسئول العيادة واسمه " رافي روميه " وسجان أخر اسمه " نواف مصالحة " ومجموعة أخرى من رجال الشرطة مفتولي العضلات ، وطلب مني أن اجلس على كرسي فجلست وكان أمامي صحن من الأكل فطلب مني مسئول العيادة أن أكله مرتين فرفضت ، فقال لي أنت حر ، في هذه الغرفة لمحت ومنذ اللحظة الأولى لدخولي إليها طنجرة كبيرة جدا مثبتة فوق غاز للطبخ ، لاحقا عرفت بأنها مملؤة بالماء والملح المذاب ، بعد ذلك قام مسئول العيادة بإحضار جهاز يشبه جهاز تنضير المعدة ، وهو عبارة عن علبة في أسفلها بربيش طويل يمكنه وصول المعدة اذا ادخل من الأنف او الفم ، وهذا الجهاز اسمه " الزوندا " لكن في هذه العيادة لن يتم إدخال الطعام الى داخل معدة الأسير المضرب لان العيادة أصلا لم يكن فيها طعاما معدا من اجل هذه الغاية ، إنما المعد والمجهز لنا سلفا هو ملح وماء مغلي تماما ، وتم تثبيتي وربطي بالحبال على الكرسي الذي أجلسوني عليه وبدأوا بإدخال البربيش من فتحة انفي بقوة وفظاعة بالغتين ، وأخذت الدماء تنهمر من انفي الى داخل فمي فامتلىء قميصي وصدري بالدماء ، وهنا شعرت بان البربيش اللعين قد وصل الى قاع معدتي الخاوية ، بعد ذلك سكبوا في العلبة من الطنجرة مباشرة الماء والملح المغليان ، في هذه اللحظات تذكرت أمرا هاما وهو أن زميلا لي ومن الذين نقلوا معي من نفحة الى الرملة واسمه " هاني العيساوي " قال لي يا أبو النوب " أنا سمعت ( لفينات ) وهو ضابط برتبة رائد في سجن نفحة يوصي جنود البوسطة ضدك فكن حذرا " ، ومما زاد من يقيني بان إدارة سجن الرملة عاقدة النية على قتلي فعلا ، ما قاله لي أيضا اثنا التعذيب السجان ( نواف مصالحة ) يا نوباني فك إضرابك لان ( رافي ) يريد قتلك .
 
 
استشهاد علي الجعفري وراسم حلاوة واسحاق مراغة
على أية حال ما حصل معي هو نفسه ما حصل مع كافة الاسرى الـ 26 ، لكن ما حدث مع راسم حلاوة وعلي الجعفري وإسحاق المراغة كان مختلفا قليلا حيث استقر بربيش الزوندا في رئة ثلاثتهم بدلا من المعدة ، وقد سكب الماء والملح المغليان داخل الرئة مباشرة فتم حرقها وتدميريها على الفور ، في ضحى اليوم التالي 22/7/1990م ، نادي منادي من خارج القسم الذي نوجد فيه ، واعتقد انه كان احد السجناء الجنائيين العرب من العاملين في مرافق إدارة السجن الخارجية ، وقال بصوت حزينا ومدويا " يا سجناء نفحة صباح الخير ، أخبركم بان علي الجعفري قد استشهد " وفي مساء ذات اليوم نادى ذات المنادي المجهول قائلا " يا سجناء نفحة مساء الخير ، أبلغكم بان راسم حلاوة قد استشهد " وهكذا طوي اليوم الأول لوجودنا في سجن الرملة بسقوط شهيدين ، وإصابة بالغة في رئة الرفيق إسحاق المراغة الذي تعرض لما تعرض له الشهيدان علي و راسم من تعذيب وتنكيل في عيادة السجن ، لكن جسده تحمل تلك الإصابة ،واستشهد في وقت لاحق من العام 1983م متأثرا بتلك الإصابة القاتلة .
 
بعد إصابة الاسرى الثلاثة علي وراسم وإسحاق قامت إدارة السجن بجمعهم في غرفة مجاورة لعيادة السجن تسمى غرفة الانتظار ، وفي وصف حالته وحالة الشهيدين قال لي الرفيق إسحاق بعد أن جمعتنا مجددا إدارة سجن الرملة في ذات القسم بعد سقوط الشهيدين ما يلي : " بعد أن ادخل ثلاثتنا الى غرفة الانتظار استلقينا من فرط تعبنا وإرهاقنا على معقد خشبي كان في تلك الغرفة ،وكان الألم يمزق صدورنا وأحشاؤنا تمزيقا شديدا ، لكن التعب كان باديا أكثر على ( علي الجعفري ) الذي تمسك بقضبان الباب الحديدي وهو يصرخ بصوته المرهق على سجان القسم تارة وطبيب العيادة تارة أخرى ، لاستعجالهم في تقديم الإسعاف والعلاج له ولنا ، وفجأة ، قال لي " يا أبو جمال إنني أموت ، إنني أموت " ، وحاولت أن اهدأ من روعه ورفع معنوياته وشد أزره ، لأنني لاحظت عليه أمرا مختلفا لم اشعر أنا به ، رغم أن إصابتنا واحدة .
 
من جديد يصرخ علي الجعفري ويقول " لقد وصل الموت الى قدمي يا أبو جمال ، فلم اعد اشعر بهما فهما باردتان كالثلج يا أبو جمال " ، وأنا ليس بيدي شيء افعله سوى إنني قلت له لا تخف يا على ها هو الطبيب قادم لا تقلق ، وفجاه قال علي مرة ثالثة وأخيرة ، " لقد وصل الموت الى يدي يا أبو جمال " ، وأنا المرهق مثله يقول أبو جمال اغرورقت عيناي بالدموع وأنا أرى الأنفاس الأخيرة تخرج من رئته ألمدمره الى انفه الذي مزقته برابيش الزوندا وفتحت في داخله اقنية للدم والألم ،في الأثناء مال راس على الجعفري على كتفه الأيمن ويداه الباردان ما زالتا تمسكان بقضبان الباب الحديدي اللعين ،حيث سالت نفسه الكريمة وفاضت روحه الطاهرة الى باريها وهو واقفا كشجرة نخيل عاشت مئة عام واقفة بعد جفافها ، أرحنا جسد الشهيد على الأرض واستبد بناء البكاء والعويل ،وللحظة نسينا أنا وراسم أننا شركاء الشهيد بذات المصير .
 
وعلى الفور دخل الجلادون الى الغرفة ونقلوا الشهيد ونحن معه الى العيادة، لم تمضي سوى ساعات قليلة حتى ارتقت نفس راسم حلاوة الى باريها، واستشهد هو وعلى الجعفري في ذات اليوم 22/7/1980م ، سقط علي الجعفري بطل نفحة وبطل عملية جبل القرنطل الأسطورية ، وترك خلفة تاريخا مشرفا من العطاء والتضحية ، ورافقه في رحلة الخلود رفيقه وصديقه الشهيد راسم حلاوة ، وعن علي الجعفري أيضا قال لي أخي وصديقي أبو علي شاهين ذات يوم أمرا في منتهى الأهمية " ما زلت أذكر علي الجعفري الذي كان يرجو في اضرابات سابقة على أن لا يستعمل معه الأنبوب لسبب ما، فقد كان له رأيا بان شرب الحليب اذا كان مسموحا فلنشربه مباشرة بدون الأنبوب، وكأنه كان على يقين بأنه سيكون ضحية ذاك الأنبوب اللعين، لقد استعملوه معه الأنبوب هذه المرة كرهاً، وضعوه في رئته وصبوا الماء والملح مما أدى إلى استشهاده في نفس اليوم، أما راسم حلاوة، صاحب البنية القوية، الذي كان يحمل الواحد منا مثلما يحمل عصفوراً في يديه، استشهد هو الآخر في نفس اليوم بسبب الأنبوب، وأيضا المناضل الكبير اسحق المراغة، الذي أحدث له الأنبوب نزيفاً داخليا حادا، استشهد على أثره فيما بعد.
 
تضامن وغضب
انتشر خبر الشهداء في كافة أنحاء فلسطين وخرجت التظاهرات الجماهيرية الغاضبة الى الشوارع، وتناقلته باهتمام بالغ منظمات وهيئات حقوق الإنسان عبر العالم وداخل إسرائيل نفسها، وأصبح موقف إدارة السجن في منتهى الحرج، وحضر الى السجن مجموعة من المحامين عرف من بينهم المحامية المعروفة ليئا تسيمل التي قابلت الأسير المصاب ( إسحاق مراغة )، وقدمت هذه المحامية الإسرائيلية التقدمية وصفا مثيرا لحالة الاسرى في سجن ألرمله أمام الرأي العام الإسرائيلي والعالمي، وفضحت أمر حكومة " مناحيم بيغن " و وزير داخليتة " يوسف بورغ " و مدير السجون العامة " حاييم ليفي " لتورطهم المباشر في تنفيذ عملية القتل في سجن الرملة، فارتفعت وتيرة الضغط في العالم تضامناً مع مضربي نفحة .
 
إن أهم ما كان في قضية نفحة، هو أن قيادة الثورة الفلسطينية تبنت هذا الإضراب تبنياً كاملاً، بالرغم من أنه لم يكن لهذا الإضراب أي هدف سياسي أبداً ، فقد كان الهدف الوحيد هو تحسين مستوى الحياة للمعتقل الذي لم يحظ بأدنى حق من حقوق الإنسان ، ونجح إضراب نفحة ، وأعطى نتائج ملموسة وغير كثيراً ، والاهم من ذلك أنه أسقط مدرسة القمع والإرهاب وأفرغها وكسر الشوكة ، وأثبت أن شعار نفحة المرفوع " نعم للجوع ، لا للركوع" هو شعار النضال ألاعتقالي ، كما أثبتت معركة الأمعاء هذه إرادة المعتقل الفلسطيني وصموده في وقفة منيعة واحدة ، لم يتخللها ضعف ، أو خلاف داخلي.
 
استمرار الاضراب
في صباح اليوم التالي لسقوط الشهداء 23/7/1980م ، فوجىء الاسرى المضربين بإدخال عربة مطبخ محملة بطنجرة حليب معدة للأسرى المضربين ، وقبل ذلك كانت إدارة السجن قد أنهت عزل وتوزيع المضربين عن الطعام على الغرف وقامت بإعادة توزيعهم على الغرف بمعدل كل ستة أسرى في غرفة واحدة ،وكان لدينا موقف سابق من تناول الحليب خلال الإضراب ، والقاضي بان تناول كاس الحليب لا يفسد ولا ينهي الإضراب عن الطعام ، وقد سبق للمحكمة الإسرائيلي العليا أن أيدت هذا الرأي بناء على التماس قدمه الأخ أبو علي شاهين في العام 1979م ، وقد قامت إدارة السجن بهذه الخطوة في محاولة منها لامتصاص نقمة الاسرى وغضب الشارع الفلسطيني .
 
من المهم ذكره هنا بان إضراب سجن نفحة قد بدا مع حلول شهر رمضان المبارك من ذاك العام ، ومع سماح إدارة السجن لنا بتناول الحليب خلال الإضراب أصر بعض الاسرى على صيامهم أثناء الإضراب عن الطعام أي أنهم كانوا يتناولون كاس الحليب بعد أذان المغرب ، بعد ذلك بأربعة عشر يوما عدنا الى سجن نفحة ، حيث ما زال الإضراب هناك مستمرا ، بعد مرور 27 يوما على بدئه ، وواصلنا الإضراب مع بعضنا البعض وقد انتهى شهر رمضان وأمضينا العيد مضربين .
 
تعليق الإضراب .
في ثالث أيام عيد الفطر السعيد ، وهو اليوم الثالث والثلاثين لبدء الإضراب وكان الموافق 16/آب /1980م ، قامت إدارة السجن باستدعاء لجنة الحوار الاعتقالية وكان على راس تلك اللجنة الأخ المناضل خليل أبو زياد ، وفي مكاتب الإدارة كان بانتظارهم لجنة مكونة من ممثلين عن لجنة المحامين العرب وممثلين عن الصليب الأحمر وممثلين عن مديرية السجون العامة ، وبدأ نقاشا مستفيضا بين ممثلو الاسرى واللجنة المذكورة استمر حتى نهاية عصر ذاك اليوم ، ومن الجدير ذكره هنا بان قادة الاسرى في نفحة رفضوا سابقا مقابلة لجنة منفردة من مديرية السجون العامة لوحدها لبحث مطالب الاسرى ،وقد كانت استجابة اللجنة الحالية لأكثر من 95 % من مطالب الاسرى كفيلا بان تدفع لجنة الحوار الاعتقالية للموافقة على تعليق الإضراب ، وقد عادت اللجنة الاعتقالية الى السجن ، ووقف الأخ خليل أبو زياد بين الغرف وقال مخاطبا الاسرى بما يلي :-
 
" أيها الإخوة أيها الرفاق ، مبروك نصركم لقد استجابت مديرية السجون العامة لمطالبنا ، وبناء عليه قررت اللجنة النضالية العامة تعليق الإضراب لمنح إدارة السجون فرصة لتنفيذ ما وعدت به " ومن ابرز تلك المطالب اذكر الأتي :-
1- الموافقة على تركيب أسرة نوم في السجن.
2- الموافقة على إدخال أجهزة تلفزيون.
3- الموافقة على إدخال أجهزة راديو .
4- الموافقة على توسيع الفتحة في أبواب الغرفة الحديدية لتصل الى نصفه تقريبا .
5- الموافقة على إدخال المزيد من الكتب والصحف العربية والعبرية 
6- الموافقة على زيادة وقت النزهة ليصبح ساعة في كل مرة أي بمعدل ساعتين يوميا 
7- الموافقة على تخصيص غرفة للزيارة ، وزيادة وقت زيارة الأهل ليصبح 45 دقيقة كل أسبوعين.
8- الموافقة على علاج المرضى من الاسرى بما تتطلبه حالة كل منهم .
9- الموافقة على عمل الاسرى في مطبخ الاسرى، والمردوان .
10- الموافقة على إدخال الملابس الداخلية والأغطية من خلال زيارات الأهل.
11- الموافقة على التنقل بين الغرف وزيارة الاسرى لبعضهم البعض .
 
 
مثار اعجاب
بعد هذا الإعلان أمر مدير السجن مساعديه بإعادة السكر والشاي والقهوة والدخان الى أقسام السجن ، وفي مطبخ السجن تم إعداد وجبة من الحليب والزبدة ، تم تناولها مساء من قبل كافة الاسرى ، في صباح اليوم التالي أحضرت لنا إدارة السجن وجبة مكونة من حليب مخلوط بالزبدة وخبز محمص وفول ، فقام الاسرى بإعادة الفول لأنه لا يلائم حالة الخارجين من الإضراب عن الطعام ، كما أن الأخ خليل أبو زياد طلب من إدارة السجن السماح للأسرى جميعا بالخروج الى ساحة السجن لتناول وجبة الغداء بشكل جماعي والسلام على بعضهم البعض ، فسمحت الإدارة بذلك ، ومع اقتراب موعد تناول وجبة الغداء وخروج الاسرى الى ساحة السجن فوجئوا بوجود أعداد كبيرة من الزوار الإسرائيليين من المدنيين والعسكريين والصحفيين ، قسم منهم اعتلى سطح السجن وقسم أخر يتجول بين الغرف والأقسام ، وقد جاء هؤلاء الى سجن نفحة لرؤية الاسرى الذين تمكنوا من الصمود بلا طعام 33 يوما ، ولعل بعضهم او كلهم توقع أن يقوم الاسرى بالهجوم على أواني الطعام لحظة دخولها الى ساحة السجن كالغيلان الضارية من شدة جوعهم وعطشهم ، لكن ما قام به الاسرى أثار عجب واستغراب وتقدير اؤلئك الزوار حيث جلس كافة الاسرى على شكل حلقة مفترشين الأرض ، باستثناء ثلاثة منهم ، كلفوا بسكب الغذاء في الصحون وتوزيعها بالترتيب على الاسرى الجالسين بانتظام .
 
واذكر أن تلك الوجبة كانت مكونة من بطاطا مسلوقة ومهروسة تماما وخبز محمص وشوربة ، ولم يتناول أي أسير لقمة واحدة إلا بعد أن أعطى الأخ خليل أبو زياد الأمر بذلك ، فخرج كل من كان في سجن نفحة في ذاك اليوم من الزوار بانطباع في منتهى الأهمية عن الاسرى الفلسطينيين سيعيش معه حتى الموت ، وقسم منهم وثق ما رأى في كتب ودراسات قاموا بإعدادها لاحقا ، ونحن سمعنا على الفور بأذاننا تعليقاتهم على ما رأوه كمثل " أي جنود هؤلاء الذين يتصرفون بهذه الانضباطية العالية " و " أن هؤلاء الاسرى سيشكلون أعمدة الدولة الفلسطينية " .
 
مقبرة الشهداء
وهكذا انتهى إضراب سجن نفحة الأسطوري والذي شاركهم فيه كافة الاسرى الفلسطينيين ، وخاصة سجن عسقلان الذي استشهد فيه الأسير " أنيس دولة " بعد إنتهاء الإضراب بأيام قليلة وبالتحديد في يوم 26/8/1980م، متأثرا بما الم به من تعب ومعاناة جراء خوضه للإضراب التضامني مع أسرى سجن نفحة ، وقد تلي هذا الإضراب بإضراب جزئي أخر استمر لمدة سبعة عشر يوما بسبب تلكؤ إدارة السجن في تنفيذ المطالب المذكورة وأخيرا تم إنجازها كلها باستثناء جهاز الراديو الذي تحقق خلال إضراب سجن جنيد 1984م ، أما جثامين الشهداء على الجعفري وراسم حلاوة وأنيس دولة وإسحاق المراغة فانه تم دفنها في مقابر الأرقام وسلمت لذويهم في العام 2011م أي بعد مرور 31 عام على استشهادهم.