الإثنين، 11 كانون1/ديسمبر 2017

الرجوب يفتح خزائن الذاكرة ويسرد حكايات عن "معركة الأمعاء في نفحة 1980

بعد ثلاثة وثلاثين عاماً، قرر جبريل الرجوب، عضو اللجنة المركزية لحركة فتح، الحديث عن معركة الأمعاء في سجن نفحة العام 1980، وكان واحداً من قادتها، ورواد توثيقها بتعليمات من الشهيد ماجد أبو شرار، الذي طالبهم في رسالة سرية بـ"توثيق الإضراب"، لكن نبأ استشهاده في إيطاليا جاء قبل الشروع بالتوثيق، فقرروا تنفيذ ما جاء في رسالته، وإنتاج "الكراس" استجابة ووفاء لروح أبو شرار".

وفي قرابة المائتي صفحة من القطع المتوسط لكتاب يحمل اسم "نفحة يتحدث بعد ثلاثة وثلاثين عاماً"، وصدر مؤخراً عن دار الشروق للنشر والتوزيع في رام الله وعمّان، يسرد الرجوب حكايات مثيرة توثق لمعركة من نوع مختلف .. حكايات تنبض بالوطنية، وتفوح منه مشاعر إنسانية راقية، صيغت بأسلوب شيق، أقرب إلى رواية في شيء منها، علاوة على أن الكتاب يكشف معلومات لربما لا يعرفها الكثيرون.


حكاية الكراس

في اللحظة التي صدر فيها تقرير إيتان لطمس الحقائق، الذي أعدته إدارة السجون الإسرائيلية لتزوير وقائع الإضراب، واستشهاد اثنين من نزلاء نفحة، فسارع الأسرى إلى تشكيل لجنة من خمسة معتقلين هم: جبريل الرجوب، محمد حسان، عمر القاسم، يعقوب عوده، ويعقوب دواني، على قاعدة الاحتكام للعمل التنظيمي في المعتقل، أي بقرار من اللجنة الاعتقالية لنفحة، وعلى أساس القدرة، وإمكانية إنجاز مثل هذا العمل.

اقترح الرجوب كتابة الكراس بلغة وحدوية تنأى عن الفصائلية والذاتية ... وتم إنجازه وتوزيعه على "الإخوة والرفاق الثلاثة والسبعين، الذين شكلوا المجموعة الأولى التي هيأت وخططت وخاضت الإضراب"، وعليه، تم تكليف الرجوب ويعقوب دواني لإعادة كتابة ما يلزم لاستكمال الكراس، قبل توزيعه على الجميع، وتهريب نسختين في العام 1982، إحداهما إلى فيصل الحسيني عبر موسى أبو صبحة، والثاني إلى "الشهيد العبقري خليل الوزير (أبو جهاد(.

غادر الرجوب السجن في أيار 1985، حيث أفرج عنه في صفقة التبادل الشهيرة، وكان وثق إضراب سجن جنيد في العام الذي سبقه ... وفي العام 1988 أبعدته سلطات الاحتلال عن أرض الوطن، فتوجه إلى تونس حيث مقر قيادة منظمة التحرير الفلسطينية .. وعن ذلك تذكر الرجوب: دعاني الشهيد أبو جهاد مع الأخ نبيل أبو ردينة إلى عشاء في بيته ليلة 14/4/1988، قبل استشهاده بيومين ... كنت سألته عن الكراس، فأوضح أنه كان وصل إليه في حمأة الحرب وحصار بيروت، وفقد كباقي الأشياء الحميمة".

عندما عمل الرجوب كأستاذ محاضر في جامعة القدس، زار أكثر من مرة مركز أبو جهاد، الذي يضم الكثير من أدبيات ومشغولات المعتقلين والأسرى المحررين، وطلب من القائمين على المركز البحث عن كراس إضراب نفحة 1980 ... "وبفضل الله تعالى، وجدوا النسخة التي كانت وصلت إلى الشهيد فيصل الحسيني، وكان أودعها مكتبة بيت الشرق بالقدس ليحفظها مركز أبو جهاد مع باقي مكونات المكتبة .. فرحت أن لامست بجوارحي النسخة نفسها التي طالعتني حروفها بخط الأسير عدنان وشاح، الواضح البسيط ... واليوم أتشرف أن أقدم هذه الوثيقة التي كتبناها بالدم والمعاناة وخفقات الضلوع، وأضعها كما هي لكل القراء الأعزاء، ولكل إنسان ينحاز إلى قميه المطلقة لمواجهة البشاعة والاستلاب والقمع والتمييز والعنصرية والكراهية والظلم"، وفق ما أكد الرجوب في مقدمة الكتاب.

وأشار الرجوب أن ريع هذا الكراس / الكتاب سيكون لصالح مركز الشهيد أبو جهاد، "لأنه يحرس ذاكرتنا ويحميها، ويحمل ذاكرة أسرى الحرية المخطوطة والمرسومة والمهرية، ولأن المركز يحمل اسم واحد من أعظم العمالقة الشهداء، وهو أبو جهاد (خليل الوزير)، الذي نرجو أن يقرأ أحفاده كتاب الورد، وليس كتاب الدم، لكنه الاحتلال الذي يدمينا، ويدمر الإنسان في نفسه".حكايات وتفاصيل.

تناول الكراس / الكتاب ظروف الاعتقال المتصلة بيوميات الأسرى من سكن، وغذاء، وكساء، ونوم، ورعاية طبية، وهي جميعها دون مستوى المطلوب لأدنى مقومات حياة البشر، فالزنازين تعاني من سوء التهوية والإنارة والرائحة الكريهة "رغم الحرص الشديد على النظافة من جانب ساكنيها المكتظين بداخلها مدة 22 ساعة يومياً"، أو يزيد، أما الأثاث فكان عبارة عن "خزانات بلاستيكية صغيرة مثبتة بالجدران إضافة لعلب كرتون لوضع باقي الملابس القليلة فيها، ولكن هذا الرف المتمثل في هذه العلب الكرتونية يمكن لإدارة السجن أن تسحبه إذا ما أرادت، أما الخزائن فلم تكن قبل تشرين الأول 1973، فقبلها كانت الغرف عارية تماماً إلا من البطانيات ورقائق المطاط التي ننام عليها، ولا شيء غير ذلك، أما الطعام فإن وصل، فإنه رديء ولا يتم طهوه بطريقة تجعله صالحاً للأكل، إضافة إلى التكرار الممل لذات الأصناف.
أما المرضى من الأسرى فـ"حالتهم حالة" كما يقول المثل العامي، وهو توصيف تعكسه تفصيلات الرجوب في كتابه، لدرجة أنه وفي بعض الحالات يتم مساومة الأسير على شرفه الوطني مقابل العلاج .. "وقد رصدنا حالات عديدة تعرضت لهذا النوع من الابتزاز".

ومن الحكايات المؤثرة التي رواها الرجوب في كتابه، أنه "خلال الأعوام ما بين 1968 و1970، كان يتواجد بجانب سجن الخليل مستوطنو كريات أربع الذين أقاموا في بنايات داخل معسكر الجيش، وكانت نساء هؤلاء المستوطنين يمتلكن حق زيارة إدارة السجن ليلاً، حيث يتم إخراج عدد من الأسرى، ويطلب منهم خلع ملابسهم والوقوف عراة على الجدار، ورفع أيديهم إلى أعلى .. ويستمر هذا العرض المسرحي حتى ساعة متأخرة من الليل مع وجبات ضرب وماء بارد، بما يصاحب ذلك من قهقهات وإرضاء للمشاعر السادية في ذات المتفرجين والمتفرجات".

واستعرض الرجوب في كتابه المثير سلسلة الإضرابات التي خاضها الأسرى ومبرراتها الوطنية والمطلبية والمناسباتية، كما تحدث عن مرحلة نضال الأسرى من أجل إدخال تحسينات جزئية، فمرحلة الفعل التي تلاها إضراب الشهيدين علي وراسم، واشتملت على إضرابات مفتوحة، قوبلت بعنف شديد من سلطات الاحتلال في السجون الإسرائيلية، وصلت إلى درجة "تعريتنا بالكامل ورشنا بكميات كبيرة من مسحوق (دي دي تي) من مضخة كبيرة، ثم إخراجنا عراة إلى الساحة .. فيما كان ينهمك الجنود بسرقة ما يحلو لهم من أقلام باركر وملابس داخلية جديدة، بل كانوا يقومون بتمزيق الصور والرسائل التي هي بالنسبة للاسرى ذكرياتهم وعواطفهم تجاه ذويهم مطبوعة على الورق"، وهي واحدة من حكايات موجعة ضمتها دفتي الكراس / الكتاب، الذي يعيد البوصلة إلى الإنسان داخل كل من يبدأ يقرأه، وبالضرورة لا يتركه إلا عند آخر كلمة، بل بمعنى أدق آخر صورة.

كلمة أخيرة

وشدد الرجوب على أن هذا الكراس / الكتاب ليس تأريخاً أو حتى محاولة تأريخ لحركة أسرى الثورة الفلسطينية في سجون الاحتلال، بل "إنه مجرد صفحة أو وثيقة تبرز بعض جوانب هذه الحركة التي لم يحن بعد موعد كتابة تاريخها داخل كتا، لأنها (أي حركة أسرى الثورة) لا تزال تصنع تاريخها بالدم والجوع والمقاومة داخل أسوار سجون الاحتلال، ولأن كتابة تاريخ حركة أسرى الثورة ستتم بوصفها فصلاً من فصول كاملة لتاريخ الثورة، والذي سيكتب بعد أن يتحرر الوطن الفلسطيني، وهو حتماً سيتحرر عندما يتحرر أسرى الثورة، هؤلاء الشهداء مع وقف التنفيذ، وهم عندما سيتحررون سيكتبون كل شيء، وليس مجرد صفحة من صفحات تاريخهم ...".