الإثنين، 11 كانون1/ديسمبر 2017

الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة بين صعود الفردي وضمور الجماعي- ناصر دمج

الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة

بين صعود الفردي وضمور الجماعي

 

ناصر دمج

 

    من الملفت للنظر أن تقرير الأمم المتحدة عن حالة التنمية الإنسانية في الوطن العربي عام  2005م قد اعتبر "غياب روح المغامرة الفردية لدى سكانه أحد أسباب تخلفه المزمن", وهو استنتاج يستحق منا التوقف عنده مطولاً للاستفادة منه على نحو يقودنا إلى معالجة الأسباب التي استند إليها للعثور على طريقة ما للخلاص من هذا التخلف وتبعاته الحضارية.

ولعل عودتي إلى ذلك التقرير الأممي لاستخدام استنتاجه هنا كمدخل لنقاش أمر فلسطيني هام بعنوان (هل هناك جدوى من الإضرابات الفردية عن الطعام التي خاضها ويخوضها الأسرى الفلسطينيون داخل المعتقلات؟) وهو تساؤل تسببت بإثارته لدي ورشة العمل التي نظمها مركز الدفاع عن الحريات يوم  22/5/2013م في رام الله تحت عنوان "الإضرابات الفردية إلى أين ما بعد انتصار العيساوي؟" لأن الحديث يدور هنا عن الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة، وهو حديث ينطوي على حساسية بالغة ليس أقل ملامحها بأن الإضرابات الفردية تمعن في تفتيت انقسام الحركة الأسيرة ذاتها، وهذا ادعاء من الممكن أن يرمي به من يشاء الإضرابات الفردية، وذلك بعد أن يجردها من أي حسنة لها، وهو أمر فيه ظلم كبير للمبادرين إلى تلك الإضرابات وإلى فكرة المبادرة الفردية بحد ذاتها كخيار من خيارات المواجهة والاشتباك مع المحتل.

ولكي نمنح هذا النوع من أنواع العمل الوطني وصفه الطبيعي ليكون تقييمنا على طبيعته يمكنني القول :إن أي مبادرة فردية هي عمل محمود, ولطالما فضلت على الجلوس والانتظار إذا ما قرر القوم البقاء جالسين، وفي مدح المبادرة الفردية سمعنا وقرأنا عن أقوال كثيرة مثل: "من حاول وفشل يكفيه شرف المحاولة", و "من اجتهد وأصاب له أجران, ومن اجتهد وأخطأ فله أجر واحد". وترمي هذه الأقوال إلى تشجيع المبادرة لا الحث على وأدها وتحريمها، ولعل قوله عز وجل في محكم تنزيله الكريم: "وقل سيروا في الأرض وانظروا كيف بدأ الخلق")سورة العنكبوت آية 20 ) فيها دعوة للمبادرة والبحث والتأمل الذي يؤدي يقيناً إلى تعزيز الغاية التي قصدها الله من وراء هذه الدعوة, وهي تعزيز إيمان المتردد والكافر بوجوده، وهذا ما حدث مع العديد من المخترعين والمكتشفين الغربيين أثناء أبحاثهم العلمية ودراساتهم.

 

الإضراب الفردي عن الطعام ابن لحظته التاريخية الراهنة

ولأن الظرف التاريخي هو الذي يتحكم بلحظة ولادة الأشياء فإنه يمكننا تفهم اللحظة التاريخية التي ولدت فيها فكرة الإضراب الفردي عن الطعام داخل المعتقلات، وهو أمر يدفعنا إلى التعرف على خلفية تلك اللحظة.

بعد تأسيس السلطة الفلسطينية في العام  1994م, وتحرر آلاف الأسرى من حركة فتح, وبقاء آلاف آخرين من فتح وغيرها من عناصر اليسار الفلسطيني وحركتي حماس والجهاد، زرعت أولى غراس الانقسام بين الأسرى داخل المعتقلات, وليس صحيحاً الادعاء بأن الانقسام بين الأسرى وقع عشية طرد السلطة الفلسطينية من غزة في 16/7/2007م، وبعد تأسيس السلطة أصبح أسرى فتح مطالبين بالتميز عن أسرى فصائل اليسار والإسلاميين؛ تماشياً مع مواقف السلطة السياسية بما فيها عدم المشاركة في الإضرابات التي من الممكن أن يدعو لها الإسلاميين؛ لأنها من الممكن أن تحمل معاني سياسية قد تمس بوضوح مواقف السلطة الفلسطينية من المحتل الإسرائيلي، وهو أمر ينطوي على مخاطر تنظيمية أيضاً تمس صميم الانتماء الفتحاوي, وتمس بعضًا من الامتيازات التي تقدمها السلطة للأسرى مثل: الكانتين, والهواتف, والغرامات, والرواتب الدائمة، وقد ساعد توفر المال لدى الأسرى من تحسن نوعية حياتهم داخل الأسر بما فيها دخول أصناف جديدة من الأطعمة والأغذية ووسائل الترفيه كأجهزة التلفاز والراديو والسي ديات والديفيدي.

على أي حال تسببت هذه المقتنيات بصرف نظر الأسرى واهتمامهم عن أمور كانت بالنسبة لجيل الرواد من الأسرى من المقدسات مثل: نبذ الذاتية, واحترام نظام الجلسات الفكرية والتنظيمية, والالتزام بالقواعد المسلكية التي تحرم الملكية الخاصة، ولعل نسف هذا المرتكز من أساسه فسح المجال أمام توحش "النزعة الذاتية" في مجتمع مغلق ومحاصر، الأمر الذي أطاح بوحدة خطط المواجهة مع العدو وحتى خطط إدارة الحياة اليومية وتبعثر أهدافها ومراميها.

كل ذلك حدث تحت مرأى ومسمع عدو يراقب المشهد بالكاميرات, وبالعين المجردة, والمخبر الداخلي الذي يثري التقييم الإسرائيلي بمزيد من التفاصيل التي ستتحول إلى استنتاجات ولاحقاً إلى قرارات، فأصبحت إدارة المعتقلات هي من يتحكم بفرز الأسرى على أسس فصائلية وأحياناً مناطقية، وتحول شكل العلاقة بين مراكز القوى في الداخل الاعتقالي وإدارة المعتقل إلى ما يشبه التحالف في العديد من الحالات, ومقابل كل منفعة يحصل عليها أي من مراكز القوى كانت هناك أثمان تدفع مباشرة وغير مباشرة، كل ذلك أدى إلى مزيد من الانقسام بين الأسرى على المستويات كافة وحتى داخل التنظيم الواحد، كل ذلك حدث قبل الانقسام بين سلطتي غزة ورام الله.

إذن, أصبح الأسرى محاطين بظروف ليست كما يرام؛ لمنح برامجهم النضالية التماسك الكافي لإنجاح خطواتهم الواجبة ضد إدارة المعتقلات، ولطالما فشلت محاولات كثيرة لمواجهة تلك الإدارة داخل المعتقل الواحد أو القسم الواحد، ولطالما منع العشرات من الأسرى من التعبير عن آرائهم بحرية, أو المشاركة في الإضرابات الموحدة من قبل قادة الأطر في المعتقلات المتماسكة ومراكز القوى في المعتقلات الأقل تماسكاً.

إذن, تغير الظرف التاريخي الذي في سياقه تتخذ القرارات داخل الأسر تبعاً لتغيير البرنامج المعيشي اليومي لقطاعات عريضة من الأسرى، وتغيير النمط المعيشي داخل الأسر تسبب ببروز قطاعات واسعة بينها تناهض فكرة الإضرابات الجماعية؛ خوفاً على المكتسبات المعيشية الجديدة، وهذا التطور وفر لمديرية المعتقلات بيئة مناسبة للهيمنة على الأسرى والتحكم بحياتهم بشكل وحشي, فمقابل الامتيازات الجديدة تعمق التغلغل الإسرائيلي أكثر، وهذا التحول أدى إلى تحطيم البنية التحتية للحياة الكريمة داخل الأسر والمتمثلة بمنظومة القيم التي تمسك بها جيل الرواد من الأسرى لغاية بدء عمليات الإفراج عن الأسرى في العام  1994م، وازداد الوضع سوءًا بطبيعة الحال بعد الانقسام في العام 2007م.

ومع بقاء احتياج المجابهة مع إدارة المعتقلات قائماً تراجع الخيار الجماعي إلى خيار فصائلي في مواجهتها، ولاحقاً لذلك تقدم الخيار الفردي صفوف العمل، وأنا هنا لا أرى في كليهما أمراً سلبياً أبداً؛ لأنهما يشكلان استدراكا لخيار المواجهة وأوتاداً متينة تمنع تواصل الانزلاق الكبير والوصول إلى الهاوية، فهما يكرسان حقيقة مفادها أن هناك عدوًا بحاجة لمواجهة.

من هنا تحتل الإضرابات الفردية أهميتها في وضع أشبه ما يكون ببدايات الحركة الأسيرة في ستينيات القرن الماضي، والتي نهضت فيها الحركة الأسيرة على سواعد مجموعة مترابطة من المبادرات الفردية، تجمعت في النهاية على شكل جدران صلبة أمام عنجهية السجان الإسرائيلي، لهذا أرى أن هذه المبادرات تكرر المبادرات الفردية القديمة, وعلى المجتمع الفلسطيني أن يمنح هذه المبادرات ما تستحقه من دعم وتشجيع؛ لأن المبادرة الفردية شكل من أشكال الاستجابة الإنسانية للحظة التاريخية التي يتطلب فيها القيام بعمل من نوع ما، بالضرورة سيقوم به فرد أو سيعلق جرسه مبادر، ولعل هذه المبادرات تشكل استجابة صالحة للنهوض بحالة الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة, وذلك على قاعدة التنسيق الوثيق مع الأطر القيادية داخل الأسر من قبل أي مبادر؛ لأنه في مرحلة ما سيكون بحاجة لدعم باقي الأسرى، وهذا إن حدث سينقل وبشكل تدريجي العمل الفردي إلى جماعي، وتكرار هذا الأمر يشكل انتقالا سلساً من الفردي إلى الجماعي، وهنا يمكن ملاحظة أن كل نوع من أنواع العمل يكمل الآخر ويعززه, وأنا أدعو الأطر التنظيمية التي تجرم الخطوات الفردية في لوائحها الداخلية إلى مراجعة هذه الفقرة وإعادة تكييفها وفقاً للمتغير التاريخي المحيط بحالة الحركة الوطنية الفلسطينية الأسيرة، لأن العبرة ليس في الثبات ولا في التغيير إنما في المزج بينهما بما يخدم مصالح الجماعة وذلك انطلاقا من سببين: الأول تاريخي, وهو أن نجاح جيل الرواد في تأسيس حركة أسيرة ناجحة اعتمد على مبادرات فردية جسورة في مجابهة العدو وجهاً لوجه، أو المبادرة إلى اقتراح خلاق للوائح والنظم, والسهر على إنفاذها، أما السبب الثاني فهو مستقبلي حيث أرى بهذه المبادرات مدخلاً فعلياً لإعادة الاعتبار للعمل الجماعي المنظم داخل الأسر.

أقول ذلك لأننا لم نتعلم من تاريخنا وتاريخ الآخرين الاستخفاف بالمبادرات الفردية وعدم الاعتراف بأثرها الحاسم في التاريخ، إن تشجيع المبادرات الفردية من قبل الأمة يثري البيئة المناسبة لولادة البطل الذي سيقود جماعته إلى النصر, وهو الذي وصل إلى أماكن لم يسبقه أحد في الوصول إليها من قبل، ليصبح الوصول إليها لاحقاً هدف كل الحالمين والمتطلعين إلى الفوز، وعند النظر إلى هذا المشهد سنرى أنه يجسد العمل الجماعي بعينه، وعلينا أن نكون على يقين بأن الجهد الفردي يقع في صميم الحركية التاريخية الكامنة في تحرك الجماعات البشرية الساعية إلى الانعتاق من قيودها.

 

 

* ناصردمج

باحث متخصص في موضوع الصراع العربي الإسرائيلي، له العديد من المؤلفات المنشورة، ومئات الأبحاث والدراسات السياسية، ويعمل حالياً رئيسأ لوحدة الأبحاث والدراسات في مركز أبو جهاد لشؤون الحركة الأسيرة في جامعة القدس.