الأربعاء، 21 تشرين2/نوفمبر 2018

هو تيسير محمد صالح نصر الله من مواليد 1-8-1961 في مخيم بلاطة بمدينة نابلس والذي لجأت اليه عائلته من قرية "قاقون" قضاء طولكرم والتي دمرت في حرب العام 1948  ، وقد درس المرحلتين الاساسية والابتدائية في مدارس الوكالة بالمخيم واكمل المرحلة الثانوية في مدارس نابلس ، لينهي الثانوية بنجاح ويلتحق بجامعة النجاح الوطنية ، لينهي منها درجة الماجستير تخصص "ادارة تربوية " ، وهو متزوج وله بنتان وولدان ، وهو الان عضو بالمجلس الوطني الفلسطيني بالاضافة الى انه يعمل كمدير عام في محافظة نابلس ، وقد اعتقل لاكثر من مرة من قبل سلطات الاحتلال ، وروى ابرز ما ميز تجاربه النضالية والاعتقالية .

تفتحت عيناي على احتلال ما تبقى من فلسطين بالعام 1967 ، وهذا الحدث ما زال يعيش معي في ذهني ولا زلت احتفظ بذاكرتي على جزاء كبيرا من الاحداث التي رافقت الاحتلال منذ كنت طفلا صغيرا ، ومما لا شك فيه ان مجمل تلك الاحداث قد تركا اثرا كبيرا علي وخلق دافعا لي وانا بسن مبكرة للانغماس بالعمل الوطني ، حيث اعتقد الاحتلال انه بامكانه تكرار مشهد العام 1948 من تشريد وتفريغ للسكان ، واذكر ايضا ان العائلة كانت تستمع سرا لصوت العاصفة والاغاني الوطنية القديمة والتي كانت تحض وتشجع على العمل المسلح ، كل ذلك وغيره من الاحداث العامة التي رافقت طفولتي جعلتني اكبر قبل اواني ، ونذكر انه في تلك الاونة كان المد القومي قويا حيث وجو جمال عبد الناصر والذي شاركت انا بجنازته وانا طفلا ولا زلت اذكر كل تفاصيلها .

وقد شكل العام 1976 مفترقا مهما في تاريخ حياتي ، حيث اعلنت حكومة الاحتلال الاسرائيلي ضم مساحات شاسعة من اراضي عام 48 ، الامر الذي قاد الجماهير الفلسطينية بالداخل الى اعلان التمرد وبالطبع شاركت الجماهير بالضفة وغزة بالمسيرات وعمت مظاهر الاحتجاج كافة المدن والبلدات والمخيمات الفلسطينية ، وانا دائما اردد انه اصبح لي تاريخي ميلاد هما اليوم الذي ولدت به بالعام 1961 ويوم 30 آذار من العام 1976 ، حيث تلاشت من داخلي كل مظاهر التردد وحضر بقوة قرار المشاركة المباشرة بالعمل الوطني .

ومع زيارة رئيس مصر انور السادات للقدس وتوقيع اتفاق كامب ديفيد ، جرى في جامعة النجاح تنظيم مهرجان وهذا شكل بدء الانطلاق بالنسبة لي ، بالاضافة الى المشاركة المجتمعية منها الانضمام الى مركز شباب بلاطة والمشاركة بكل انشطته ، حيث كنت عضوا في ادارة المركز ن ومنذ العام 1979 تركز مجمل نشاطي ضمن المركز والذي كان يولي العمل الجماهيري كل الاهمية .

ومع دخولي الى جامعة النجاح بالعام 1980 ولم اكد امضي شهرا واحدا حتى جرى اعتقالي ،غير ان حدث الاعتقال لم يكن بالشيء التقليدي ، اذ ان قوات الاحتلال قامت بمحاصرة الجامعة ومنعت خروج اي احد منها ، وعلى اثر قيام مفاوضات تم الاتفاق على خروج كل من كان بها على ان اعتقال كل من يختاره ضابط المخابرات ، وانا كنت ممن جرى اختيارهم ، غير ان الاعتقال لم يدم لفترة طويلة وبقيت ل 18 يوم في سجن نابلس ، غير انني قمت باستغلال هذه الايام لقراءة كل ما وقع بين يدي من كراسات ولمجمل الفصائل ، ولكوننا طلبة جامعة فقد شكلنا هدفا للاستقطاب من كافة الفصائل لما كان يشكله طالب الجامعة من وزن وتأثير في تلك الاونة ، غير انني ونتيجة لقراءاتي في تلك الايام وجدت لدي ميلا داخليا لحركة فتح .وبمجرد ان تم الافراج عني حتى بدأت ابحث عن ابناء الحركة والتي اصبحت جزءا فاعلا فيها .

كانت هذه بداية الانغماس الرسمي بالحركة الوطنية ، يضاف اليها جدية العمل الطلابي الفاعل في الجامعات في تلك الفترة ، وقد بدأت بتشكيل اول اطار جماهيري لحركة فتح بمسمى " لجان الشبيبة للعمل الاجتماعي " بالعام 1981 ، وكنت انا اول رئيس لها بالانتخاب ، وكان طابع عمل اللجان يتركز على الجانب الطوعي بكل برامجه وحيثياته ، وقد انتشرت تلك اللجان بكل المناطق كالنار بالهشيم ، حيث حققت حركة فتح نجاحا مبهرا من خلال هذه اللجان وجرى استقطاب اعداد هائلة وتم تجنيدهم في لجان العمل ، ولم يكن نشاطي باللجان على حساب نشاطي بالجامعة ضمن الاطار الطلابي لحركة فتح ، ونتيجة لكل ما سبق ذكره فقد جرت ملاحقتنا من قبل قوات الاحتلال .

بتاريخ 26-1-1983 جرى اعتقالي للمرة الثانية وكان عبارة عن اعتقال لغاية التحقيق واستمر لمدة 50 يوما ، ثم وبنفس السنة قد جرى اعتقالي بشهور " 3،6،10 "  ، وتركز التحقيق معي على تهم العمل ضمن اللجان ، وضمن الاطار الطلابي لحركة فتح ، وفي كل مرة كنت اخرج من السجن لعدم تمكنهم من اثبات اي من التهم علي ، وعلى ذلك شكلت بالنسبة للمخابرات هدفا للملاحقة ، وكان الاحتلال ومع قدوم اي مناسبة او فعالية وطنية يتحفظ علينا الى ان تنتهي هذه الفعالية .

في عام 1984 اخذت قوات الاحتلال تزيد من ملاحقتنا واستمر ذلك الى العام 1985 ، الى ان جرى اعتقالي لمدة 18 يوم وبالمحكمة تم تحويلي للاقامة الجبرية وكان نص القرار يقضي بمنعي من دخول جامعة النجاح لمدة 6 شهور على ان اقوم كل يوم بالحضور الى مركز الشرطة للتوقيع ، وفي تلك الفترة اقتنعت ان هدف الاحتلال اصبح منعي من اكمال دراستي وهدم مستقبلي ، الا انني وضمن فترة الاقامة الجبرية اهتتمت بمناحي اخرى من العمل غير العمل الجماهيري ، واقصد العمل العسكري ، ومع انتهاء 6 شهور جرى التمديد للمرة الثانية ، وقبل انتهاء الفترة الثانية جرى اعتقالي ضمن ما عرف وقتها ب "القبضة الحديدية " وتم تحويلي للاعتقال الاداري في معتقل جنيد .

واثناء اعتقالي تم مداهمة مخيم بلاطة بالوف الجنود حيث كان اكبر عملية عسكرية منذ حرب العام 1967 وذلك نتيجة لوجود المسلحين داخل المخيم وقاد عملية الاقتحام قائد المنطقة الوسطى بجيش الاحتلال الاسرائيلي ، وقد دوهم منزلي بالمخيم ووجد سلاح واعتقلوا كل من بالبيت من رجال ، وبقي ابي بالسجن لمدة اسبوع وبقي اخي بالتحقيق لمدة 48 يوما ، وبعد الافراج عن اخي اعادوني للتحقيق ، ولكونهم اعتبروني متمرسا ولي خبرة بالتحقيق فقد قرروا استخدام ابشع صور التحقيق بحقي ن واستمر التحقيق معي لاكثر من شهرين في معتقلات جنيد وطولكرم والخليل ، واخضعوني للمحاكمة وحكمت بالسجن لمدة سنتين ونصف السنة وتم نقلي الى سجن نابلس المركزي .

ولكوني لم اكن طارئا على الحركة الوطنية ولي تجارب سابقة بالاعتقال فالمشهد بداخل المعتقل ليس غريبا علي ، وفي تلك الاثناء شعرت بحاجة الى اعادة توازني الداخلي والوطني ،ولذلك فقد انخرطت مع من كانوا معي بالعمل التنظيمي الجاد وقد تبوأت مناصب عديدة منها عضو لجنة مركزية وكنت من قيادات الحركة في السجون ، وقد كانت الحياة الاعتقالية في تلك الاونة تتصف بالجدية حيث لا مجال لمضيعة الوقت وتتداخل عليك البرامج والفعاليات ، وهذا ما كنت انا ابحث عنه .

وكنا في تلك الفترة نعتني اعتناء كبيرا بقسم الاشبال ونعمل بكل ثقة لدرجة اننا اثرنا الفزع برؤوس ادارة المعتقل واثرنا ذهولهم من قوة ادارتنا للمعتقل والروح الايجابية التي دعمناها بداخله ، وبالتأكيد هذا الامر لم يرق لادارة المعتقل وجرى نقلنا الى معتقل جنين ، وفي تلك الاونة لم يكن معتقل جنين بالجدية المطلوبة وبحكم ان معظم من تواجدوا هناك من كبار السن فقد كانت التجربة اكثر هدوءا ، وعلى ذلك فقد وجدت نفسي مع الايام اتبوأ منصب الموجه العام في معتقل جنين ، وفي عام 1987 خضنا هناك اضراب لمدة 16 يوما بهدف تحسين ظروف الاسرى ووثقت انا هذا الاضراب عبر كتابة " انتفاضة الجوع في عام انبلاج الامل " .

وانا اقول ان المعتقلات شكلت بالفعل مدارس بكل ما للكلمة من معنى حيث لم اشعر بضعف ولا بكلل ، ونحن استطعنا القضاء على كل ما راادت دولة الاحتلال تحقيقه من خلال اعتقالنا .

بتاريخ 21-4-1988 تم الافراج عني من معتقل جنين ، ويوم الافراج عني كان يوم منع تجوال حيث اشتداد الانتفاضة الاولى ، والتي كانت بكل تأكيد نتاجا لعمل اللجان السابق ذكرها ،وعلى ذلك فقد مشيت الى ان وصلت بيت الاخ عصام ابو بكر ، ولم استطع العودة الى بيت اهلي الا عبر سيارة اسعاف ، وفور الافراج عني تم تكليفي بعمل تنظيمي ، ولم يمضي على الافراج عني سوى 100 يوم حتى جرى اعتقالي مرة اخرى بتاريخ 1-8-1988 ، وفور اعتقالي تم اصدار قرار ابعاد بحقي الى جنوب لبنان بتهمة قيادة الانتفاضة وملف امني سري .

وكان الاحتلال في تلك الاونة يعتمد سياسة الابعاد بشكل ملحوظ بحق الكادر الوطني ، ولك يكن المعتقلين بتلك الفترة يعترفوا بشرعية المحاكم وبالاخص المحكمة العليا حتى يتم تقديم التماس لديها ، وانا بدوري كان معي ما يقارب 25 معتقلا آخرا تنوي سلطات الاحتلال ابعادنا ، غير اننا تدارسنا موضوع التقدم باعتراض على قرار الابعاد ، وكانت فلسفة قرارنا هذا انه حتى لو لم نستطع تغير الفرار فعلى الاقل اننا سنقوم بتأخير تنفيذه ، وبذلك نحن نبطيء عجلة الابعاد ، اي اننا هدفنا الى كسب الوقت على امل ان نستطيع البقاء ، وعلى الرغم من ذلك فقد تم تثبيت قرار الابعاد ، بعد ان نجحنا بتأجيله لمدة 10 شهور ، وجرى نقلي بمروحية الى جنوب لبنان مع 7 آخرين ، وقد عدت الى ارض الوطن بتاريخ 29-2- 1995.

جريدة القدس ص 13

الاحد 1-12-2013